ضوءٌ آخر النفق
أحاول أن أكون عادية , محايدة , صادقة جدّا , وأنا أصنع نسخة هنا مطابقة للأصل .
.
.

غياب

 
 
لاأحبُّ أن أتدلّى من سقفٍ مثقوب ؛ لأعرف أين تركت ظلّي بعد آخر الخطى ، قبل نحول الريشة والقلم ، وتجعّد الخطوط ، والأوراق ، والأفكار .

لم أغالط فادعيتُ أن زيت التفاؤل قد نضب ، أو أنه كان مباركًا بما يكفي إزالة دكنة عتيقة لكنني لم أستطع إقناع ماحضر منّي ببراءة صوتي من شرخٍ غائر.
وكلّما عبر وميضٌ أفقي المصمت قستُ مداه ، فإذا به أقصر من زمن التفاتتي ، وأكبر من قدرتي على تهجّيه هدفًا وملاحقته وصولا ، لذا ألِفَتْ حواسي زفير كل مرحلة لهث فيها العمر خلف الوميض الخاطف ، والصفير الغامض ؛ لأعود قانعةً بقبوعٍ مسالم في أرضٍ سائلة ، لاتبقي شيئًا يعلق بباطن الخطى واكتفيت بمؤانسة تمارسني - معهم - تطغى على صفير قطارٍ بعيدٍ يسير ببطء ، ليس واضحًا إن كان يقترب أم يبتعد . وحيث يكون للغياب شعاب لاحصر لها تمتد في استكانتي خلف المسارات أجلس كنقطةٍ متحرّكةٍ خارج الدائرة . أقاومني ؛ أتعب ؛ فأرتكن إلى ثرثرةٍ لاتنتهي ، تنشّط ذاكرة الجوع ، إذ لم يسبق أن التهمت رغيف السعادة كاملا ، كنت أتأملني - بينهم - دائمًا في تلك الخلفيّة المقموعة الثابتة ، نتحرّك من وإلى نقطاط ، فوق خط السقوط ، نتأزّم كلما شاغبنا الصمت بشيءٍ من الفهم ، نتسابق في صيد الحقائق من براري الزيف ، كما نتسابق في الانحدار ؛ نتشبث بمقابض اللحظة التي تفتح شراهتها على جميع الاختيارات ، فتتأبط ( نعم ) ( لا ) ، ويتوسّد كل منّا مقصّه ، خشية التورّط في بحبوحة حلم متبجح.
نستيقظ - بالتعوّد - ليسرق كلٌّ منّا نافذةً من النهار ، ويلوّح لظلٍّ وطلل ؛ بأن بقاياه مازالت هنا ، تناطح الغياب ، ينشق زفير الوقت متعاطيًا رؤية بلامدىً يفضح عُريها.
هنا وهناك ، يسيح الغياب هاربًا من ضجيج الأرض ، تباركه أيدٍ مكتنزة تفسح له دروبًا وإن ضاقت به البيوت والشوارع والأزقة ، وأشاح عنه النهر بضفتيه.
تعلّمنا منذ زمن كيف نُقدم للتاريخ وجبات تراجيدية ساخنة بتمجيد الحضور في الصبر والصمت والموت ، بتخليد الغياب عن الهوية والإرادة والكيان ، بتطبيق التعاليم السادية ، الشرقية والغربية ، وبتلقائية ، اتقنت أعيننا الالتماع في تأمّل مازوخيتنا المتألقة في وشاحات القهر الوسيعة ، من عصور قديمة وحتى اليوم ، لم نتعلّم كيف نتعامل مع غيابنا كما يليق به ، فمازلنا وسنظل نخدش قدسيته بلصق صوره فوق أعمدة الثرثرة اليومية ، وننشد مازوخيتنا في المقهى على إيقاع كركرات ( عجمي) .

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.